محمد بن علي الشوكاني

2608

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

أورده النافون للقياس من تلك الإشكالات ، لأن الإلحاق بعدم الفارق لما كان في غاية الوضوح والجلاء اندفع عنه كل إيراد وإشكال وتشكيك كما يعرف ذلك فحول علماء الأصول ، وأهل الرسوخ في علمي المعقول والمنقول . ويدل لعدم انتقاض طهارة من به علة من هذه العلل المتقدمة ما علمناه من كليات هذه الشريعة المطهرة [ 4 أ ] التي يندرج تحت عمومها هؤلاء وأمثالهم ، وذلك مثل قول الله - سبحانه - : { فاتقوا الله ما استطعتم } ( 1 ) فإن فيها تقييد التقوى بالاستطاعة ، فما خرج عنها فليس من التكاليف التي كلف الله بها عباده ، ومعلوم أنا لو قلنا أنها تنتقض طهارة من به علة من تلك العلل بالخارج الذي لا يمكنه الاحتراز عنه ، وبالحدث الذي لا يقدر على إمساكه لكان ذلك تكليفًا له بما لا يستطيعه . وقد فهم الصحابة - رضي الله عنهم - من هذه الآية تخفيف التكليف عليهم ، ولهذا عظم عليهم الأمر لما نزل قول الله - سبحانه - : { اتقوا الله حق تقاته } ( 2 ) وصرحوا بأن ذلك ليس في قدرتهم ، ولا يدخل تحت استطاعتهم ، فنزل قول الله - سبحانه - : { اتقوا الله ما استطعتم } ( 3 ) ففرحوا بذلك ، وزال عنهم ما وجدوه من الحرج عند نزول الآية المتقدمة ( 4 ) ، ومثل هذه الآية قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا به ما استطعتم » ( 5 ) ومثل قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : « يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا » ( 6 ) وهي أحاديث ثابتة في الصحيح . ومثله حديث : « صل قائمًا ، فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب » . وحديث :

--> ( 1 ) [ التغابن : 16 ] . ( 2 ) [ آل عمران : 102 ] . ( 3 ) [ التغابن : 16 ] . ( 4 ) انظر « تفسير ابن كثير » ( 8 / 140 ) . ( 5 ) تقدم تخريجه . ( 6 ) أخرجه البخاري في صحيحة رقم ( 4344 ، 4345 ) ومسلم رقم ( 71 / 1733 ) من حديث أبي موسى الأشعري .